القرطبي
196
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
السلام رب العالمين ويقول : أما استحيت إذ استغثت ( 1 ) بالآدميين ؟ ! وعزتي ! لألبثنك في السجن بضع سنين ، فقال : يا جبريل ! أهو عني راض ؟ قال : نعم ! قال : لا أبالي الساعة . وروي أن جبريل عليه السلام جاءه فعاتبه عن الله تعالى في ذلك وطول سجنه ، وقال له : يا يوسف ! من خلصك من القتل من أيدي إخوتك ؟ ! قال : الله تعالى ، قال : فمن أخرجك من الجب ؟ قال : الله تعالى قال : فمن عصمك من الفاحشة ؟ قال : الله تعالى ، قال : فمن صرف عنك كيد النساء ؟ قال : الله تعالى ، قال : فكيف وثقت بمخلوق وتركت ربك فلم تسأله ؟ ! قال : يا رب كلمة زلت مني ! أسألك يا إله إبراهيم وإسحاق والشيخ يعقوب عليهم السلام أن ( 2 ) ترحمني ، فقال له جبريل : فإن عقوبتك أن تلبث في السجن بضع سنين . وروى أبو سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قال : " اذكرني عند ربك " ما لبث في السجن بضع سنين " . وقال ابن عباس : عوقب يوسف بطول الحبس بضع سنين لما قال للذي نجا منهما " اذكرني عند ربك " ولو ذكر يوسف ربه لخلصه . وروى إسماعيل بن إبراهيم عن يونس عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لولا كلمة يوسف - يعني قوله : " اذكرني عند ربك " - ما لبث في السجن ما لبث " قال : ثم يبكي الحسن ويقول : نحن ينزل بنا الأمر فنشكو إلى الناس . وقيل : إن الهاء تعود على الناجي ، فهو الناسي ، أي أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف لربه ، أي لسيده ، وفيه حذف ، أي أنساه الشيطان ذكره لربه ، وقد رجح بعض العلماء هذا القول فقال : لولا أن الشيطان أنسى يوسف ذكر الله لما استحق العقاب باللبث في السجن ، إذ الناسي غير مؤاخذ . وأجاب أهل القول الأول بأن النسيان قد يكون بمعنى الترك ، فلما ترك ذكر الله ودعاه الشيطان إلى ذلك عوقب ، رد عليهم أهل القول الثاني بقوله تعالى : " وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة " [ يوسف : 45 ] فدل على أن الناسي [ هو ] ( 3 ) الساقي لا يوسف ، مع قوله تعالى : " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " ( 4 ) [ الحجر : 42 ] فكيف يصح أن يضاف نسيانه إلى الشيطان ، وليس له على الأنبياء سلطنة ؟ ! قيل : أما
--> ( 1 ) فاستشفعت . ( 2 ) في ع وى : إلا رحمتني . ( 3 ) من ع . ( 4 ) راجع ج 10 ص 28 .